إخوان الصفاء
222
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
اعلم يا أخي ، أيّدك اللّه وإيانا بروح منه ، بأن صور حروف الكتابات كثيرة الفنون مختلفة الأنواع ، كما تقدّم ذكرها ، وهي بحسب موضوعات الحكماء من الكتّاب ، واختياراتهم لها ، وتواطئهم عليها ، يطول ذكر علّة ذلك وشرحه . ولكن نذكر قولا مجملا مختصرا في ثلاث كلمات بحسب ما توجبه قوانين الهندسة والقياسات الفلسفيّة ، كما أوصى المحرّر الحاذق المهندس فقال : ينبغي أن تكون صور الحروف كلّها لأي أمة كانت ، في أيّ لغة كانت ، وبأيّ أقلام خطّت ، إلى التقويس والانحناء ما هو الألف التي في كتابة العربية ، وان يكون غلظ الحروف إلى الانخراط ما هو ؛ وأن يكون عند التركيب الزّوايا كلّها حادّة وإلى التدوير ما هو . فهذا ما قاله أهل الصّناعة في تقدير هذه الحروف ومناسباتها مفردة مفردة . فأما عند التركيب والتأليف فربما تختلف وتتغيّر لعلل يطول شرحها ، ولكن يجب على المحرّر عند تعليمه للخطّ التوقيف « 1 » عليها . فقد تبيّن إذا بما ذكرنا أن أحكم المصنوعات ، وأتقن المركّبات ، وأحسن المؤلّفات ما كان تركيب بنيته وتأليف أجزائه على النّسبة الأفضل . والنّسب الفاضلة هي المثل ، والمثل والنّصف ، والمثل والثّلث ، والمثل والرّبع ، والمثل والثّمن ، كما قد بيّنّا قبل . ومن أمثال ذلك أيضا صورة الإنسان وبنية هيكله ، وذلك ان البارئ ، جلّ جلاله ، جعل طول قامته مناسبا لعرض جثته ، وعرض جثته مناسبا لعنق تجويفه ، وطول ذراعيه مناسبا لطول ساقيه ، وطول عضديه مناسبا لطول فخذيه ، وطول رقبته مناسبا لطول عمود ظهره ، وكبر رأسه مناسبا لكبر جثته ، واستدارة وجهه مناسبة لسعة صدره ، وشكل عينيه مناسبا لشكل فمه ، وطول أنفه مناسبا لعرض جبينه ، وقدر أذنيه مناسبا لمقدار خدّيه ،
--> ( 1 ) التوقيف : التعليم .